صديق الحسيني القنوجي البخاري
369
فتح البيان في مقاصد القرآن
يكسرون حرف المضارعة في كل ما كان من باب علم يعلم ، قال الأزهري : وليست بالفصيحة وركن يركن بفتحتين وليست بالأصل ، بل من تداخل اللغتين . وقال الراغب : والصحيح أنه يقال بالفتح فيهما وبالكسر في الماضي والفتح في المضارع ؛ وبالفتح في الماضي والضم في المضارع ، وقرىء على البناء للمفعول من أركنه ، وقال في الصحاح : ركن إليه يركن بالضم ، وحكى أبو زيد : ركن إليه بالكسر يركن ركونا فيهما ، أي مال إليه وسكن ، قال اللّه تعالى : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وأما بالفتح فيهما فإنما هو على الجمع بين اللغتين . اه . وقال في شمس العلوم : الركون السكون ، وقال في القاموس : ركن إليه كنصر وعلم ومنع ركونا مال وسكن . اه ، فهؤلاء الأئمة من رواة اللغة فسروا الركون بمطلق الميل والسكون من غير تقييد بما قيده به صاحب الكشاف حيث قال : فإن الركون هو الميل اليسير . وهكذا فسره المفسرون بمطلق الميل والسكون من غير تقييد إلا من كان من المتقيدين بما ينقله صاحب الكشاف ، ومن المفسرين من ذكر في تفسير الركون قيودا لم يذكرها أئمة اللغة . قال القرطبي في تفسيره : الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به ، ومن أئمة التابعين من فسر الركون بما هو أخص من معناه اللغوي ، فروي عن قتادة وعكرمة أن معناها لا تودوهم ولا تطيعوهم . وقال عبد الرحمن بن زيد : الركون هنا الادهان ، وذلك أن لا ينكر عليهم كفرهم ، وقال أبو العالية : معناه لا ترضوا أعمالهم ، وقال ابن عباس : الركون إلى الشرك ولا تركنوا لا تميلوا ولا تدهنوا . وعن عكرمة : لا تصطنعوهم . وقد اختلف أيضا الأئمة من المفسرين في هذه الآية هل هي خاصة بالمشركين أو عامة ، فقيل خاصة وإن معنى الآية النهي عن الركون إلى المشركين وإنهم المرادون بالذين ظلموا . وقد روي ذلك عن ابن عباس ، وقيل إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم ، وهذا هو الظاهر من الآية ، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فإن قلت وقد وردت الأدلة الصحيحة البالغة عدد التواتر الثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثبوتا لا يخفى على من له أدنى تمسك بالسنة المطهرة بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء حتى ورد في بعض ألفاظ الصحيح : « أطيعوا السلطان وإن كان عبدا حبشيا رأسه كالزبيبة » ، وورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة وما لم يظهر منهم الكفر البواح وما لم يأمروا بمعصية اللّه .